آيدكس.. عندما يكون السلاح رافعة اقتصادية

آيدكس.. عندما يكون السلاح رافعة اقتصادية

تاج الدين عبد الحق

الذين تابعوا الدورات المتعاقبة لمعرض الدفاع الدولي بأبوظبي ”آيدكس“ منذ انطلاقه عام 1993، وحتى اليوم، يعرفون تأثيره على أوجهٍ كثيرةٍ في حياة ابوظبي خصوصًا، والإمارات بشكل عام.

كانت دورة المعرض الأولى محاطة بالتساؤلات -حتى لا نقول الشكوك- فالعالم خرج للتوّ من حربه الباردة التي انتهت بانهيار الاتحاد السوفيتي، والانعتاق من مرحلة القطبية الثنائية لتتفرد الولايات المتحدة بزعامة العالم كقطب أوحد.

كانت الصراعات الإقليمية الكبرى تعيش مرحلة تبدّل كبرى. فالصراع العربي الإسرائيلي ينتقل من ساحات المواجهة العسكرية، إلى ميادين التفاوض التي بدأت بكامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، ومرَّت بمحطة أوسلو بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فيما كان الأردن على وشك التوقيع على معاهدة السلام التي أخرجته من معادلة المواجهة مع إسرائيل، فضلًا عن محادثات مباشرة غير مسبوقة بين دمشق وتل أبيب.

كانت الحرب العراقية الإيرانية وضعت أوزارها، وكانت حرب تحرير الكويت التي تلتها حجَّمت الطموح العراقي، بعد أن وضع العراق تحت حصار قاسٍ، أشغله بنفسه ومشاكله، عن ما يحدث في الإقليم.

وباستثناء الحروب ”الأخوية“  في أوروبا، وآسيا الوسطى التي تلت تفكك الاتحاد السوفيتي، كانت الحروب التقليدية تنحسر عن عالم عاش منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1990 صراعاتٍ عرقيةً وأيديولوجيةً وسياسيةً  تتوالد كالفطر، وتندلع فيه الأزمات الواحدة تلو الأخرى في متوالية لم يكن أحدٌ يتنبأ بانحسارها، إلا مع تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره بشكل مفاجئ.

كان البعض يرى في معرض آيدكس -عند انطلاق دورته الأولى- سباحةً عكس التيار، وأنه في أحسن الأحوال، معرضٌ لبيع بضاعة آخر الموسم في سوق راكدة، وبأسعار تنزيلات مهاودة، تساعد المصانع الحربية -في فترة تحول عصيبة- على الصمود أمام شبح الإفلاس والإغلاق، وأمام عمالة مهددة بالبطالة والتشرّد.

في ذلك العام لم تكن أبوظبي معروفة على الخريطة العالمية كما هي عليه الآن، وكان الحديث عن كل ماهو سلاح وعسكري يدخل في باب المحظورات. وكانت المؤسسة العسكرية الإماراتية مؤسسة متواضعة عددًا وعتادًا، ولم تكن القوة الدفاعية حاضرة في العلاقات الخارجية الإماراتية بمثل هذا الوضوح، وكانت السياسة والعمل الدبلوماسي الدؤوب، الحصن الذي لجأت إليه الإمارات لتجنّب التهديد أو مواجهة التلويح بالقوّة، واستعراضها.

لم يتوقع أكثر المتفائلين أنْ يصمد المعرض أكثر من دورة أو دورتين، قبل أن  يتوقف، أو يتحلل إلى صيغٍ تبعده عن هويته الأساسية كمعرض للمعدات والتجهيزات العسكرية المتطورة.

لكن ماحدث بعد ذلك لم يكن بحسبان أحد. فقد تحوَّل المعرض إلى حدثٍ دولي تشد إليه الرحال، وتتسابق شركات السلاح في حجز مكانٍ لها فيه، وتسجل حجوزات الفنادق مستويات غير مسبوقة، وتنتعش حركة الأسواق  ليتحوّل المعرض إلى موسم تجاري ينتظره الجميع.

لكن فلسفة المعرض، مع تواتر دوراته وتزايد حضوره كحدث دولى، أنه لم يعد يستهدف هذا المردود المباشر، بل أصبح هدفه الأول هو  تمكين الإمارات من أن تكون أنموذجًا  لبناء شراكات  في مجال الصناعات الحربية.

 فحسب الدراسات التي أجريت بهذا الشأن، يتبيَّن أن أسواق الخليج هي ثالث أو رابع سوق للسلاح على مستوى العالم، لكن مساهمتها في التصنيع العسكري، لا تكاد تذكر، لا من حيث الكم ولا من حيث النوع.

 وجاء برنامج التوازن الاقتصادي المعروف ببرنامج مبادلة، ليغيّر هذه المعادلة، و ليرسي أسس شراكات عسكرية مكنت الإمارات من أنْ تدخل مجالات تصنيع حربي متطور شملت صناعة الطائرات والمدرعات، فضلًا عن برامج تدريب متطورة رفعت من الكفاءة العسكرية للقوات المسلحة الإماراتية وحوَّلتها إلى مؤسسة محترفة، تتسم بالكفاءة، وتحظى بالتقدير في كل المحافل العسكرية المعروفة .

وانطلاقًا من تلك الشراكات التي أفرزها معرض آيدكس، نسجت دولة الإمارات خيوطًا جديدة مع محيطها الإقليمي والدولي، وفَّر لمصالحها الاقتصادية والسياسية المتزايدة حول العالم سياجًا من الحصانه والاحترام، مكَّنها أنْ تلعب دورًا إقليميًّا ودوليًّا أكبر بكثير من المساحة الجغرافية التي تحتلها على الخريطة العالمية.

ومع كل دورة من دورات معرض آيدكس، يتعزَّز مكان دولة الإمارات ومكانتها، بين قائمة الدول التي حجزت موقعًا لها بين الكبار، لا كمتفرج بعيد في المدرجات، بل كلاعبٍ أصيلٍ في الميدان.

ما ورد في هذا المقال تعبير عن وجهة نظر الكاتب، ولا يعكس رأي موقع إرم نيوز‬‎

للتصحيح أو إبداء أي ملاحظات desk (at) eremnews.com

تعليقات